

وفي كل مرة يسألك أحدهم "ماذا يعني أن تكون كاتباً؟" ستحزن، تسكت، وتتهرب، لأنه - وبكل بساطة - لا تعرف ماذا يعني أن تكون ملعوناً... بحب الآخرين وكرههم في الوقت ذاته. هذه المشاعر تعكس ما قاله بعض المؤلفين في اقتباساتهم عن الصراع الداخلي، مما يوفر لنا مصدر إلهام للكتابة. باسكال عسّاف
تهمس الأوجاع في أذنه:
الليل مثلك
يرتق ثوبه الممزّق...
كلوحات حزينة في مرسمه،
يكدّس النظرات الخائفة،
وحفنة من قلق.
يُضرم النار في أصابعه،
القلم سكّينٌ
يكوي الجراح على الورق.
في السماء جرحٌ يشبه الابتسامة...
يلعن الكلمات،
ويحيك من الدموع رداءً للأفق...
العتمة سبحة انفرطت.
يتثاءب الفجر،
وعند آخر حبة يختنق.
يغسل الرجل
يديه من إثم الشعر
ويأوي إلى سريره.
كسائر البشر...

لو كنت أقدر أن أنتزع منكِ
هذا الوجع،
وأحشوه بين ضلوعي
لفعلت،
وأراكِ مبتسمة...
ولكنكِ هناك تتألمين بصمت،
وأنا هنا كالأبله
أتفرج على العالم
من خلف الزجاج
أفكّر أن أفتح الشباكِ
وأقفز...
أموت دفعة واحدة
وتتلهين بوجع أجمل...
ولكنني أخاف،
أخاف أن آتيكِ
في الصباح
لأعتذر عن حبّي
ولا تسامحيني...

كنت اجمل نساء الدنيا
قاتلت التنانين والغيلان والسحرة واللغة
لادافع عن حقك في الوجود
في هذا العالم المهزلة،
اتخذت من الواقع والحقيقة والمنطق
اشرس الأعداء
كي لا اعترف أنك مجرد خطأ صغير في الحساب
وخطأ فادح في الحب والشعر والنهايات السعيدة
خدعت عقلي
وغششت الشعر
كذبت في المرآة حتى بصقت في وجهي
قلت إنها تمطر فراشات
ووحل ودموعي،
في النهاية صرت سكيراً
ارتاد الحانات الموبوءة
اشرب الخمر والسجائر والوقت
حتى الثمالة
وإذا سألني أحدهم
كيف هزمتني امرأة
أجبت
من كثرة ما أحببتها

امشي حولي
وكأنك خنجر مشرّد
يبحث عن مأوى،
مرّي تحت شفتي السفلى
وكأنك عاصفة
تأخرت على يوم القيامة،
عند أطراف أصابعي قفي،
تمهلي قليلاً
اشحذي شفتيكِ
بتلك الابتسامة،
علّقي عل خصرك
نظراتك القاتلة
حزاماً من القنابل الموقوتة،
ثم شقّيني نصفين
بضحكة
وكأنني البحر،
نصفٌ كان،
ونصف سيكون،
واعبري بين خرائبي،
افتحي ذراعيكِ
ارفعي ذقنك
وكوني ملكةً
لا تدخل حباً لتربح،
بل ليكتب عنها
التاريخ،
أنها حبيبتي...

لا تحبّي شاعراً
إن كنتِ لا تملكين
الجرأة، واللؤم، والأنوثة
لتدقّي عنقه
حين تحين اللحظة...
لا تحبّي شاعراً
إن كنتِ غير متمرّسة
بتدرجات اللون الأسود،
بمقادير الخطيئة في الحليب،
بكميّة الكذب الخالص في السكّر،
لا تندسّي في صباحه،
ولا تعدّي له القهوة...
لا تحبّي شاعراً
إن كنت تخافين من منظر
الجراح، والدم،
والجرائم، والوحل
في كفّ يده،
لا تقبّليها،
لا تدعي عليها بالكسر،
لا تنتزعي شفقةً أو عنوة
من تحت أظافر يده المتسخّة
بالحبّ قصيدة...
لا تحبّي شاعراً
إن كنت لا تتقنين لعب
دور الطفلة المنحرفة،
عناد المرأة المتوحشة،
توق الدمية في علبة
الى الانعتاق من ضجر
السيدة النبيلة الرقيقة
خلف زجاج متجر...
لا تحبّي شاعراً
إن كنت تتمسّكين ببراءتكِ،
بحكايات ما قبل النوم،
بالقصص الخيالية،
بمنطق الوردة،
بخدعة الغروب،
بالنهايات السعيدة،
وبالأحلام المعلّبة الجاهزة،
لا تذهبي اليه وكأنك متجهة
الى حياتكِ الوردية،
بل الى موته الأخير...
لا تحبّي شاعراً
ان كنت غبيّة لتصدّقي
أنه سيقاتل بضراوة كالفرسان
ويعلن الحرب على العالم
من أجلكِ،
أحبّيه
لأنه هو الحرب بذاتها،
وهو دمار هذا العالم
كما تعرفينه...

إن كنت أستطيع اختيار موتي،
فليكن غرقاً بالدموع
التي سببتها لكَ

أعتذر اليك أيها الموت...
ربّيت في قصائدي
قططاً تشبهك،
وعلّمتها كيف تقف
على قائمتيها الخلفيتين
وتمشي حولي
عندما أرفع أصبعي
وأرسم دوائر في الهواء...
* * * * *
ولأنك مشاغب حذر
تتسلّل من الخلف
عاري القدمين
لتشدّني من شَعري،
علّقت في رقبتك
جرساً،
وصرت أعرفك
اذا أتيت
من صوت الضحكات
التي ترافقك...
* * * * *
كان عليها أن تمزّق سترتي
وتصرخ:
"قل لزوجي
لا جيوب للأكفان،
وأحمل في أحشائي
منذ سبع سنوات،
طفلاً غير شرعي
من الجوع"...
* * * * *
أن أدور على المتفرّجين
وأخبرهم:
لا تهتمّوا بي
أنا الفتى الذي يقدّم
القهوة في هذا المأتم،
ثم التقط عن الأرض المحارم،
أحشوها في أكمام قميصي،
وأحلم أن يدفعوا لي مستحقاتي
ويصرفوني في آخر المشهد،
لي موعد في المطبخ المعتم
مع ما جمعت،
أرميها من الشباك
على الأحياء،
أنا صانع الثلج،
أعطس غيوماً
واتفّ النسيان
من صدري كالبلغم...
* * * * *
يحمل في يده
أوراقاً وأختاماً
وقلما" ناشفاً
من أرخص الأنواع،
وفي يده الحرّة
يسلخ خدّي بصفعة،
ويؤنبني:
"في عيادتي أشباح
تنقص ألوانها،
احمل هذه الصخرة واتبعني..."
قلت أخاف أن تعضّني،
أخاف أن يخطئ المدعوّون
ويعجزوا عن التفريق بيننا،
أريد أمّي...
* * * * *
هم أربعة،
وانا كنت خامسهم،
يتلهّون بالنظر الى الساعة،
وحدي كنت أقيس الوقت بالرائحة...
* * * * *
كلهم أخذوني جانباً
وحذّروني أن أصابعي باردة،
أتأمل يديّ
ولا أرى سوى أعواد ثقاب،
أسمع صوت أبي:
لا تكن طفلاً سيئاً،
من الحماقة أن تضرم النار
بالدموع...
* * * * *
أصرخ:
"قبل أن تغلقوا الباب
دعوني أمسح عن الخشب
بصماتي"...

We use cookies to analyze website traffic and optimize your website experience. By accepting our use of cookies, your data will be aggregated with all other user data.